أنت

في حياتي كلها أتوقع أن تكوني بذرة الضوء التي لا أدري كيف تنمو بداخلي لتنير اليوم، لكن أثرك أعجز ـ لازلت ـ عن التعبير عنه **** ، ولكنكِ تفرحين، وها أسنـانك تظهر .. ف تبتسمين :) وتطلع الشمس، هذه المرة ليس عنِّي بل عن جميل مرورك كلما حدث ... أمــــــــانـــــة عليكو أي حد يعدِّي هنا يترك تعليقًا .. ليستمر النور :)
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات حُـرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات حُـرة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 25 أكتوبر 2010

.أنا .. ويوسا . .



طبعا قبل نوبل لم تكوني لتعرفي يوسا، وربما حتى الآن أنت لا تعرفيه . . .
وإن كنت لا أكتب عنه لفوزه بها، إذ ربما كما تعلمين دائما لا يكون فوزهم بالجائزة شرطا لجودة ما يقدمون، ولعل ما يؤكد ذلك ما قدمه في "امتداح الخالة" من سوء، وما قد ينفيه فورا ب"حفلة التيس" مثلا!!
.
ربما تعلمين حكايتي مع الأدب المترجم عموما، وربما يحكي لك "ماركيز" ما أفعله معه طوال الوقت، بل وقد ينضم إليه الراحل "ساراماجو" أيضا!*.
.
.
إلا أن الأمر مع يوسا . . يبدو لي الآن مختلفا، وليس ذلك لفرادته، أو براعته، أو فوزه، بل الأمر كله -يا عزيزتي- لا يعدو "حوارا" قديما، أجرته معه الشاعرة "جمانة حداد" كنت قد تعثرت به، ووجدت فيه (الحوار ويوسا) ما أنطقني!
فحتى أن لم أقابل الرجل وجها لوجه! ، وإن لم أسافر بيرو -بلدته- في حياتي، وحتى إن لم أكتب مثله روايات، ولم تسع لي جائزة مخترع الديناميت تلك، يظل مايجمعني بهذا الرجل أكبر من هذا كله بكثير، ألا وهو . . الكتابة، أوهم الكتابة!
فنحن في أوطاننا العربية ننشغل بالهم أكثر
الحوار أدارني حوله كثيرًا، وأخذت أقتبس منه مقولاته وردوده أكثر، حتى فوجئت بأني اقتبست الحوار بأكمله تقريبًا!
يقول :
انا شخصيا عاجز تماما عن كتابة قصة لا تملك كنقطة انطلاق ذاكرتي، اي اشخاصا او مواقف او صورا من التجربة. الذاكرة عندي هي نقطة انطلاق الخيال، ابني فوقها او انسج حولها فيبدأ “الكذب”. لذلك هناك دائما مواد ذاتية من سيرتي في اعمالي، وهي النواة مهما كان حجمها ضئيلا. حوافز الكتابة امر ساحر، وفي الوقت نفسه غامض جدا. لا احد يعرف لماذا يكتب حول اشياء معينة، ولماذا تتركه أشياء اخرى لامباليا.
يسود الاعتقاد بأن الخيال يؤمن مساحة حرية أكبر من الواقع، ولكن الا تظن ان الكاتب يكون احيانا اكثر حرية عندما يكون “يتذكر”، منه عندما يكون يتخيّل؟
- سؤال مثير للاهتمام. فعلا، الاختراع نشاط مشروط جدا، والمرء “يخترع” ما يخترع لا مدفوعا بحريته كما يتوهم، بل لأن امورا معينة حصلت معه ودفعت لاوعيه الى كتابة ما يكتب. الدافع الى الكتابة يأتي من الداخل، من القاع المعتم والغامض، وهو الذي يوجهنا في اتجاهات محددة دون اخرى. انا المس ذلك خصوصا عندما اقرأ كتب غيري، لأني أرى آنذاك الهواجس، هواجس الكاتب، تتكرر من كتاب الى آخر تحت أقنعة مختلفة، لكنها تظل هي نفسها.
. أن نتعلم السيطرة على نسيج اللغة ودفقها يعني أن نتعلّم كيف نفكّر، وهي أيضاً وسيلة لكي نطوّر حساسيتنا وخيالنا وفكرنا النقدي. ولكن أتعرفين، عندما افكر في بداياتي، ارى ان التجربة لم تنفعني في شيء. ما يحصل معنا لا يشبه ما يحصل مع الاطباء او المهندسين او المحامين مثلا، الذين يزدادون ثقة وشعورا بالامان حيال مهنتهم مع الوقت بسبب المراس والتجربة. العمل الابداعي لا يؤدي الى ذلك الشعور بالامان، حتى لو كنت قد ادركت كتابك السبعين: انه الارتباك نفسه، الخوف نفسه، اكاد اقول الجزع، امام الورقة البيضاء الارهابية، وتهديد الخواء.
لا اتكلم على الطواويس، التي تحوّل نفسها اصناما من فرط غرورها التافه، بل على المبدع الحقيقي. لا مفر من ان يظل هذا قلقا، بل هو كلما تقدم اكثر في العمر وازدادت تجاربه، ازداد خوفا وشعورا بالمسؤولية لأنه يحدد لنفسه اهدافا اصعب ويغدو اكثر وعيا لحدوده. الطمأنينة شعور غريب على المبدع. المبدع كل مرة مبتدىء، كل مرة يقول في سرّه: ربما لم يعد عندي شيء اقوله. لكنه يحفر. ويحفر. ويجد ما يقوله. هكذا يصبح اكثر قساوة حيال نفسه مع الوقت، واكثر انتقادا لنصه، واكثر ادراكا لما عجز عن تحقيقه، والا فلن يعيش. أنا لم اخف عندما اصدرت روايتي الأولى مثلما اخاف الآن. ثم هناك خطورة ان يكرر نفسه: هذا التهديد يجب ان يكون حاضرا في ذهنه دائما، مع ما يحرضه عليه من تجارب جديدة ومختلفة قد لا تكون بالضرورة ناجحة. اينما التفت المبدع هناك الغام، فكيف يشعر بالطمأنينة؟ المبدع بطل راسيني درامي بامتياز.
ـ
- فلوبير علمني الانضباط، اي الجلوس والعمل في شكل منهجي ومنظم. اعتقد انه اذا لم يكن الكاتب يملك حظ ولادته موهوبا، عليه ان “يصنع” موهبته بالكد والعمل والانتقاد الذاتي، مثل فلوبير. طبعا ثمة حالات استثنائية ونادرة، هي حالات العبقرية الفطرية الصاعقة، اكاد اقول الجينية، لكتّاب يكتبون منذ شبابهم اشياء رائعة. ولكن ليس هذا المعيار. عندما يقرأ المرء الاشياء الاولى التي كتبها فلوبير، لا يستطيع ان يتخيل ان هذا سيكتب تحفا في ما بعد. لكنه كان صاحب روح مثابرة ويهجس بفكرة الكتابة، فعمل وعمل وعمل حتى انفجرت عبقريته اخيرا. المساعدة الافضل التي جاءتني عندما شرعت في الكتابة هي قراءة مراسلات فلوبير حول عمله على مدام بوفاري. انه عمل متقن ودقيق على كل كلمة وعلى كل جملة بغية الوصول الى الجملة الكاملة وتاليا الى الرواية الكاملة، وقد حرضني ذلك كثيرا.
......... . . .
بالضبط، وانطلاقا من تلك المرحلة حصل طلاق او انفصام بين النوعية والكمية. بات للادب الجيد جمهور محدود، يوصف بالنخبوي، وللادب التجاري جمهور عريض هو الاستهلاكي، ما عدا بعض الاسثناءات. ولكن اذا اردت رأيي، أفضل ان يقرأ الناس بست سيللر على الا يقرأوا ابدا او على ان يشاهدوا التلفزيون فقط. ليقرأوا “شيفرة دافنشي” ويتسلوا اذا شاؤوا، لا بأس، ولكن ليقرأوا.
ولكنها قراءةتتفّه” و”تبذّل” الذوق الأدبي، ومن يعتاد قراءة هذه الاشياء يصبح عاجزا في ما بعد عن قراءة ادب حقيقي، كبروست او بورخيس او كافكا او جويس، لأن هذه ستتطلب منه جهودا ما عاد مستعدا او جاهزا لبذلها فكريا.
- صحيح، ولكن كل هذه السلبيات تظل أقل ضررا من طغيان الصورة. فضلا عن انه يقع جزء من اللوم على بعض الكتاب الذي ينتجون أدبا مستحيلا يبدو مكتوبا لتيئيس الناس وارباكهم في شكل مجاني: وليست هذه بالطريقة الناجعة ليربح الادب الجيد. فمثلما السياسي الفاسد يسيء الى صورة السياسي النزيه، كذلك الكاتب السيىء يسيء الى صورة الكاتب الجيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* يبكـون ـ باختصـار ـ لفرط التجاهل! كنت كلما مررت على كتابِ لأحدهما في مسقط (مكتبة) أو ملقط (ع النت) سارعت باقتنائه، فأما ماركيز فلا أقترب من كتبه إلا لمامًا، أوما الراحل ساراماجو فكنت كلما بدأت رواية له عجزت لسبب أو لآخر عن إتمامها!!!

الأحد، 28 فبراير 2010

تحت أقدام الأمهات .. الجنة .. والنار أيضًا !

كنت أسأل نفسي هل يمكن أن تخذلني بعد 3 محاولات/تجارب ناجحة جدًا! ..

هل يمكن أن يستمر ذلك التدفق ويزداد نضوجًا مع الأيام فعلاً! ..

أم أنني مجرد معجب!

.

.

لا أعرف تحديدًا متى بدأت "بثينة العيسى" الكتابة التي تبدو أنها "على عجل"، ولكنها ما إن تجاوزت عقدها الثاني حتى كانت قد أصدرت روايتها الأولى الذي بدا أنه كما قالت "لم يسمع له دوي"!! ... إلا أنها سـرعان ما دخلت قلبي!

قادرةُ جدًا على المزج بين الشعر والواقع أعني بين الخيال الجامع والواقع الحقيقي مهما كان مزعجًا وكئيبًا! وإذا كانت بدايتها كشأن كل بداية مجرد "ارتطام" إلا أنها لم تتعثر أبدًا وواصلت في "سـعـار" وبكل حدة تحديها للكتابة وللألم وللحب والفراق! ...

كشفت الكثير، ولم يكن يبدُ لي أنها قادرة على الدوام أن تكشف أكثر!..

حتى هبطت علينا بـ"عروس المطر"!

كانت شخصيات رواياتها (كما أحب كثيرًا) لا تزيد في العادة على اثنين رئيسيين طارحة مع الحب شتى العلاقات الإنسانية، والعادات الاجتماعية، من قلب الكويت الهامد، تنطلق برواياتها لتصنع للكويت أرضًا غير الأرض وعوالم غير العوالم!

إلا أنها حقًا لم تخذلني أبدًا بل إنها فاجأتني هذه المرة، حيث وجدتني معهن "تحت أقدام الأمهات"! متسائلاً عن ذلك العالم النسوي الفريد وحوله من يسيطر على من، ومن يفرض الوصاية على الآخر، من يدلل ومن له حق أن يقسو ويرحم! هل تحولنا الرفاهية إلى إرهابيين قساة، وهل يحولنا التدليل إلى مخنثين جبناء! وهل ينتهي الأمر بنا في كل الأحوال إلى موتٍ مخزٍ وفضيحة تطاردنا دائمًا!

لا أحب أن أكشف خبايا الرواية، أو أعرض "قصتها" بطريقة مخلَّة

أسخف ما كانوا يعلمونه لنا أن نشرح قصيدة، نحوِّل المعاني والموسيقى والحالات الشعرية المكثفة إلى حكي مجرد لكلمات لا تدل ولا تعمِّق المعنى! ...

ترسم "بثينة" بكلماتها عالمها كله، وتدور تداخل نفسيات شخصياتها وتعرض حالاتهم كما هي بلا إضافة ولا تعليق، لا يوجد ما هو راوٍ خارجي! ... الأبطال الحقيقيون، وفقط المنهزمون تمامًا (في هذه الرواية) هم الذين ينطقون ويتكلمون ويفصحون عن مخاوفهم وكبتهم وقهرهم بالحكي وبالكتابة ...

أبطال المجتمع، أو الذين يراهم المجتمع أبطلاً، مبرَّزين فيه، يمارسون كل القوى والسيطرة وفرض الوصاية، يتحكمون في مصائر الناس، ويرون ما يصلح ومالا يصلح! لتكون النتيجة أن يموتوا تمامًا، يصابون بالخرس اختيارًا، وتتحرك الدنيا كلها من تحت أقدامهم!

ما يفرض بالقوة والسيطرة والبطش، ينتزع ببساطة بالانهيار!

رغم كل القيود والسدود يمكن لخيطٍ متين من التربية المتقنة وتكريس العمل عليها يومًا بعد يوم أن تنجو من براثن الحصار، وأن تفرض لنفسها عالمها الخاص، مختلفًا عن ذلك الذي جٌبلت وتربت عليه، بإمكان الإرادة الحرة أن تنطلق من عقالها، وتؤكد وجودها وذاتها خارج الأسوار..

من غير الإغراق في خطابية زاعقة، وعبر محاولة جادة لرسم نفسيات وشخصيات عالمها النسوي الفريد، تجنح "بثينة العيسى" في النهاية إلى انتصار التمرد الهادئ والثورة الناعمة! (إن شئنا) ...

يبدأ الحب صغيرًا، وينمو متأثرًا بعوامل عديدة، ولكن العقل يتدخل ويتحكم، وينجح في فرض سطوته على كل العادات البالية والتقاليد العائلية غير المبررة.. لأول مرة ينجح الحب رغم فيضان العاطفة، وتتغلب المرأة العاشقة على مشاعرها لتصنع لنفسها عالمها الذي تريد وتحلم به!

تضع "بثينة" أمامنا النماذج كلها، كما هي في الحياة، كما نراها كل يوم، لتعرَّف المجتمع والعالم بأسره أن المرأة ليست نمطًا واحدًا، ولا نمطًا سائدًا، المرأة والرجل أيضًا ..

فقط على لسان موضي ..تقول بثينة :

(( ما حدث هو أنني تقت لنصي الخالص، إلى عالم روائي أخلقه أنا، أقطر فيه دمي، ألوثه بأفكاري، أنشر في هوائه برادة عظامي، كنت أنتظر أن يهطل عليَّ ذلك النص الذي أكون سيد لحظته، ولم يعد بوسعي أن أمنحها ما تريد، إشراقة الوجه، وموجة التصفيق، وجملة الآمال العريضة المثبَّتة على كتفيّ بالمسامير والخطاطيف.. لو أنها تفهم فقط بأن هذا الخرس الكتابي هو أول ململحٍ من ملامح حقيقتي ككاتبة، لما قتلتني إلحاحًا وأشعرتني بلا جدواي!))

نجحت الآمال العريضة في النهاية، ونجحت موضي وأمها في أن تخرجان من براثن الجدة المتسلطة الحاكمة، وإن لم يأتِ ذلك بشكل مباشر وإنما بإشارة دالة وعابرة

. لم تخذلني "بثينة" في روايتها الرابعة، وإنما تمسكت بمكانها ومكانتها عندي أكثر، بنفس اللغة الشاعرية ولكن بدخول أكثر في أعماق شخصياتها، وبتعمق واضح في عالمها، وكم كانت بهية وهي ترسم لكل واحدةٍ منهن "بورتريها" خاصًا، وكم كان رسم مشهد "رقية" وحالتها النفسية خاصًا وفريدًا نظرًا لموقعها "الأدنى" داخل تراتبية تلك العائلة شديدة الصرامة! ..

قد يأخذ البعض على "بثينة" هنا صورة الرجل الشرقي، التي لم تخرج عن التنميط، فهو إما غائب تامًا (بالموت أو بغيره) وإما حاضرًا غائبًا غير فعال ولا مؤثر في أسرته، مما يدفعه بعد ذلك للغياب التام، ولكنها في "تحت أقدام الأمهات" عرضت لرجلٍ مختلف، هو بطلها هنا الذي صنع على أيدي الأمهات! هي إدانة أخرى لذلك النمط من التربية الذي إما أن يدلل حتى التخنيث أو يتشدد حتى الإرهاب!

بإمكاننا أن نتحدث عن هذه الرواية إلى ما لانهاية! ... ولكن يروقني أن أتوقف الآن!


الأربعاء، 13 يناير 2010

قراءات هذا الشهر، أفكار وهواجس وخواطر


خمس أفكار لكتابة تدوينة جديدة!

أجمل ما نكتبه أفكارنا، يعني الموضوع في حد ذات نفسيته مش مهم، المهم الأفكار اللي فيه، أكيد إنتوا متفقين معايا ع الفكرة دي J ....

فكرت كثيرًا أن أكتب، وقررت أن أستعين فعلاً (هذه المرة) بمحرر لكي أقول كل ما عندي مرة واحدة، ولكنه خذلني، ربما كان في خذلانه لي شيئًا من التعقل والتصبر والتمهل والشعور الشديد والكثيف بالمسؤولية تجاه ما حدث ومايحدث من مستجدات الأمور ...

لأنهم دائمًا ما يقولون أنه لو صبر القاتل على المقتول ما قتله، وأنا أضيف، لربما شرحه!

...............

بين يديَّ رواية "بديعة" (كما يقول العدوي) هي اكتشافٌ جديد في حد ذاتها، وهي وإن خيبت ظني (كما فعلت الأخرى) في بعض الأمور، إلا أنها لاتزال ممتعة، الرواية هي " دميان" لهرمان هيسة، والأخرى هي "دار الغواية" للكاتب الشاب عمرو عاشور ...

أنا لا أكتب عن كل ما يعجبني، ولا عن كل ما لا يعجبني مثلاً، بل ربما يصل الأمر إلى حد عدم الكتابة أصلاً! ...

ثم جاءت "كشري مصر" لتزيد الطين بِلة (بكسر اللام كما علمتنا السيدة منى الشاذلي) ...

نريد أن نبدأ الموضوع بطريقة علمية فَذة:

نعترف جميعًا بالاختلاف، ونحصد في الاختلاف مواقف وطرائف، ولكن المشكلة (لا يوجد مشكلة بالمناسبة) أن يتم التأكيد أو الإجماع أو "الإشادة المبالغ بها" على عملٍ أو كتاب ما وتراه أنت سيئًا أو "دون المستوى" بعبارات أكثر تحضرًا ... وتكون المشكلة أكبر (وهي غير موجودة بالأساس كما نؤكد) عندما تكون الإشادة أو الإجماع آتية من أشخاص تفترض نزاهتهم أو يعتد برأيهم، كمحكمين في مسابقة مثلاً! ....

كثيرًا ما يعمل "الاختلاف في الرأي" على خلق مساحات من البغضاء والشحناء (حلوة الشحناء دي) بين الناس عمومًا لا سيما من يدعون الفهم أو المعرفة ببواطن وحقائق الأمور ومن لا "يدعون" ذلك، ولكنهم يمارسونه، من هنا تلجأ أنت (أو غيرك) لحيل عديدة منها أنه اختلاف "محمود" في وجهات النظر، يجب أن يكون حاصلاً على الدوام ... إلخ، إلخ، إلخ

وبالتالي تسحب نفسك من القضية المختلف فيها، وتذهب بعيييدًا هناك، حيث أي مظلة اتفاق أو مظنة تلاقي، ولكنك قد لا نجد!

مع المحيطين والقريبين أنت سرعان (وما أبسط أن) تجاهر برأيك، غير عابئ أو متهم بردود الأفعال، ولكن هناك قد لا تتمكن من الإدلاء بدلوك بشكل كامل وصحيح،...

ما يحدث أن اختلافاتك تتراكم واحدة تلو الأخرى

حتى يكون لديك قائمة اختلافات، تكاد أن تفيض بها وتضيق بها ذرعًا، فلا تملك إلا أن تعبر عن استيائك من الحالات تلك كلها!

وهو حقك الذي يكفلك له القانون، فلا رأيك (والحمد لله) سيهيج الرأي العام)، ولا أنت ستخرج في مظاهرة مطالبًا بمصادرة ذلك الكتاب، أو نزع تلك الجائزة عن صاحبها، إلى غير ذلك!

أنا فقط أردت أن أشير إلى اختلافي مع محكمي جائزة "ساويرس" الأخيرة في أن مجموعة "كشري مصر" فعلاً لا تستحق أن تأخذ الجائزة هذا العام، لا في المرتبة الثانية، ولا الخامسة، وأن مقارنة بسيطة بينها وبين المجموعة التي أخذت المركز الأول " بجوار رجل أعرفه" سيدرك القارئ فداحة الفارق، وإذا كان العقلاء يقولون أن "الجواب بيبان من عنوانه" فأنا أنقل هذه المقولة كحكم قيمي على المجموعة!!

الكاتب ليس محترفًا، وأنا أقبل من الناس كلهم ألا يكونوا محترفين (ويعلم الجميع عني ذلك) ولتصدر له من الطبعات أربعة أو عشرة، وليتهافت القراء عليها (يحدث ذلك مع كتابات قليلة القيمة أدبيًا كثيييرًا) ولكن أن تحصل على جائزة من نقاد يُعتد برأيهم، فهذا ما أختلف معه، وللحق أيضًا فإن المجموعة ليست سيئة للغاية، ويجب أن أوضح ذلك أيضًا، بل إن بها بعض القصص الجيدة فعلاً (والتي فازت بمسابقة الساقية أيضًا) ولكن ليس المجموعة ككل!

أود أن أشير ـ في هذا السياق أيضًاـ وبما إننا في موسم رصد الاختلافات إلى أن المتتالية القصصية التي كتبها الصديق المدون النشيط "أحمد مهنى" بعنوان (اغتراب) قد أساءت له (فيما أرى أنا على الأقل) كثيرًا، بل وأساءت إلى "الكلاسيكية" (في ظني واعتباري) تلك التي كانت متهمة بلا سبب فأصبحت متهمة لأنه ألصقها بكتابته، المجموعة التي أسماها "متتالية" فلا هو نجح في أن يصنع منها رواية" ولو متوسطة القيمة" ولا هو نجح في إقناعي بحكاياته الغريبة، وطريقة سرده، هذا إذا تجاهلنا العنونة الغريبة للقصص بأرقامها (الأولى، الثانية .. إلخ) ...

وبسرعة أتذكر الآن أنني لا أكتب عن (اغتراب) أو غيرها، فـ"كشري مصر" استطاعت أن تحوز على إعجاب لجنة "نقاد" بحالها!! والمجموعة مما يصح تسميته بكتابات الـ"بيست سيلر" إذ استطاعت أن تحقق 4 طبعات (والعهدة على مؤلفها) في زمن قياسي، ولكن المتصفح للمجموعة يمكنه أن يبوس إيد مهنا، ويقول له (ده إنتا هتاخد بوكر وبعد بوكر يا راجل؟!)...

لا علينا، نؤمن جميعًا أن الزبد يذهب جفاءً، وأن ما ينفع الناس إن لم يمكث في الأرض، فسنذهب نحن من الأرض أصلاً، ولا علينا بقي فيها زبد أو "مربى"!! المهم أننا قدمنا شهادتنا للأجيال القادمة (هوا احنا بنعمل حاجة غير للأجيال القادمة بالصلاتو ع النبي)

طيب، هذا عن "الوحش" أو الجانب "الفارغ" من الكوب، الجانب الممتلئ يقول:

كتب عمرو عاشور روايته الأولى "دار الغواية" الصادرة مؤخرًا عن دار ميريت، وطبيعة الأمور أن نتعامل مع العمل "الأول" للكاتب بنوعٍ من الترقب والحذر، على طريقة "بالراحة عليه ده صغير" أما عمرو فلم يكن صغيرًا أبدًا، ولازال "الجواب يبان من عنوانه" منذ العنوان، ومنذ السطور الأولى للرواية تنفذ إلى قلبك، وتتوحد تمامًا مع بطلها، ومأساته التي قد أراها أنا أصبحت "سمة" في كتابات جيل الشباب (قد نستثني منهم طارق إمام مثلاً) المهزوم المحطم المعذب، ولكني قبل أن أسترسل في وصف بطل الرواية، يجب أن أتوقف عند مشهد بالغ الروعة جذبني للرواية ولم يكمله "عمرو" وهو مشهد الطفل الصغير وحياته التي تبدو عادية في ظل والدته، المشهد كان مرسومًا بحرفية، دلت على أنني أمام "روائي" قدير، سأنتظر عمله الثاني بشغف، حتى لو لم يسمع بعمروٍ هذا أحدًا غيري (أنا وأحمد مجدي ومختار) ...

من جهة أخرى، لا أحب أن أتكلم عن رواية وأنا لم أتمها بعد، ولكن عالم" دميان" على الرغم من فلسفته المستترة وطفوليته المحببة أيضًا يشدني إلى رواية هرمان هيسه بشدة، ويحفزني للكتابة عن رحلة الطفل الذي أصبح شابًا الآن، تلك الرحلة من البراءة إلى الشباب، من عالم الخير المطلق إلى لوحة الحياة التي يمتزج فيها الخير بالشر والمأساة بالكوميديا! لم أنته من "دميان" بعد ولكنها تعجبني جدًا، وأشعر أنني لا أود أن أتخلص منها! (ذكروني أن أكتب عنها كتابة متأنية فيما بعد)

..................

في سياق آخر ألح عليَّ كتاب المدونة المحترفة (سلمى أنور) " الله ..الوطن .. أما نشوف" الصادر منذ فترة عند دار دون (شكرًا كثييييرًا لأحمد مهنى إذًا) ولم يلتفت إليه أحد، ربما لأن "هوجة المدونات" انتهت إلى غير رجعة، إلا أن الكتاب في الحقيقة (والمدونة أصلاً) ممتع إلى حد بعيد. والطريف في كتاب "سلمى" ومدونتها على حد سواء، إن الذي يتعثر (في اعتقادي) بالمدونة، يجب أن تسيب علامة معاه ( بس على نحو إيجابي جدًا) لأن سلمى "حد" واعي جدًا بالتدوين والكتابة، وعاملة فرق وفاصل (في الكتاب وفي المدونة) بين التدوين والكتابة الأدبية، وأسلوبها فعلاً ممتع جدًا وجذاب، تتكلم عن مصر وعن السياسة والدين والبنات وعربية السيدات، وعن نفسها وعن آمالها وطموحاتها، ونظرتها الضبابية للمستقبل!

*************************

أفكِّر أنه شيء ممتع في حد ذاته أن تتراص الكتب بين يدك على هذا النحو، وأن تتذكر أثرهم فيك وأثرك عليهم।

وأتذكر الآن أني كنت قد أنشأت مدونة خاااصة لذلك الأمر أسميتها (كتب حياتي) ولكني لم أولها العناية الكافية، لا أنا ولا أصدقائي المشاركين! فتبًا للمجتمع

.

كفاية كده رغي إنهاردة، نكمل بعدين :)

الثلاثاء، 12 مايو 2009

من ..(قرية ظـالمة) لمحمد كامل حسين


"رجـل الاتهام"


كان من بين أولي الأمر في بني إسرائيل شابٌ يتولى اتهام من يخرجون على القانون، وكانت أسرته من أعرق أسرهم، وأعظمهم شأنًا وأكثرهم علماءً، وكان قد بلغ من النجاح مبلغًا عظيمًا وهو بعد في مقتبل العمر، وكان الناس يحبونه ويعجبون به ولا يحسدونه، لما لأهله عليهم من فضل، أبًا عن جد، وكانوا يعلمون عنه أنه أسعد الناس، فقد كان حديث عهدٍ بالزواج، وكانت امرأته أجمل فتاةٍ في أورشليم، ومن أسوط أهلها نسبًا وكان بها مرغمًا وكانت به حفيِّة. وكانت نؤوم الضحى على عادة المترفات الفاتنات في كل عصر، ولكنها رأت أن تبكر في ذلك اليوم، على غير ما ألفت، لتحدث زوجها أعذب الحديث، وكانت تريد أن تطلب إليه أشياءً ولم يكن يجهل ما تريد، وهمَّ أن يسبقها إلى ما ترغب، ثم رأى أن يمهلها حتى تتقدم إليه في دلالها العذب، ولم يخطئ ظنه، فلم يلبث إلا قليلاً حتى أقبلت عليه تقول:

--اليوم عيد مولدي

ــ وهل تظنين أني أنسى ذلك؟

-- وأريد أن تجعله يومًا لا أنساه أبدًا!

ـــ لك ذلك.

-- وأريد أن تخصني به، فلا يشغلك عني أمر آخر!

ـــ ما كان أسعدني بذلك، لولا ما سيجري في "أورشليم" اليوم.

--- لا يعنيني من ذلك شيء، وأحب ألا تلتمس الأعذار، فإنك تعلم أني لا أغفر مثقال ذرة إذا كان الأمر يتعلق بحبك إياي.

ــــ وأنا لا أطيق أن يمر بخاطرك أني أقصِّر في ما ترغبين إلى عمله، ولكن لي في "دار الندوة" اليوم شأنًا أي شأن!

--- وماذا في "دار الندوة" اليوم؟

ـــــ إنهم يطالبون بدم رجلٍ قامت عليه قيامة الناس عامة، جمهورًا وقساوسة وعلماء، ولابد أن نحسم أمره اليوم

----- ومالي ولذلك كله، أترى أن موت رجلٍ من عامة الناس أدعى إلى عنايتك من حبك إياي؟ إنهم يصلبون رجالاً كثيرين كل يوم، أما اليوم فهو يومي، ولا يكون إلا مرة كل عام!

ـــــــ وقد لا يتكرر صلب رجلٍ مثل هذا النبي أبد الآبدين ..

--- وماذا تنقمون منه ؟

ــــ إني عددت عليه بالأمس من الذنوب ما أحفظ عليه قوم إسرائيل كافة، وجمعت عليه من التهم ما أجعل جريمته واضحة لا تقبل رأفة ولا رحمة، فحكموا عليه بالصلب، وأعجب الناس ببلاغتي، وهنأوني على ما أبديت من حرصٍ على الإيمان، وعناية بالوطن، وعلم بالتوراة ولابد أن أتبع نجاحي بالأمس جديدًا اليوم، حتى لا تهن عزائمهم فينكصوا.

---- ألا يزال النجاح معبودكم الأكبر، إنه ليفترسكم ويقضي على فضائلكم كلها.

ـــــ إن تعلقي بالنجاح يرجع إلى حبي لك، انكن لا تعبأن بمن يخفقون.

----إنا لنزهد في النجاح إذا صحبه نقص في إخلاصكم لنا. وأخشى أن تكون قد بلغت هذا الحد من النجاح. وما الذي دفعك إلى هذا الاتهام العنيف؟ أكان ذلك حبًا في النجاح أم كنت مخلصًا، وماذا علمت عنه حتى ألبت عليه قومك، أبك موجدة عليه؟!

ـــ إنه يريد أن يجعل الجهلاء أندادًا لأمثالنا، ويريد أن يجعل الفقراء وإيانا سواء، وفي ذلك قضاءٌ على نظام بني إسرائيل كله، أيروق أن نساوي بيننا وبين ذلك الحداد الذي يعمل أمام بيتك؟!!

---- إني لا أرى لك فضلاً عليه، إلا أني امرأتك وليست له امرأة مثلي، ولا أعتقد أن مساواته بك تكون جريمة يصلب من أجلها الناس!

ــــــ ثم إنه كفر بالله، وأنكر الصفات التي له في التوراة، فهو لا يقول بجبروته وانتقامه، وإنما يقول إن الله هو الحب. ويريد ألا يخاف الناس الله، وإنما يريد لهم أن يحبوه لأنه يحبهم، وفي ذلك خروجٌ على تعاليم التوراة، لابد أن يؤدي إلى الفوضى.

---- أتقتلون رجلاً أن يقول إن الله هو الحب، تلك كلمة لا يقولها مجرم. الله هو الحب!

ـــــ إنك ممتعة حقًا، وجمالك ولطفك يضفيان على خطئك عذوبة، وعلى سوء فهمك للأمور لذة ليست إلا لكِ، أتظنين أن الحب الذي يدعو إليه يمت إلى حب المرأة بصلة، إنه لا يعرف شيئًا عن المرأة.

---- إن المرأة تحب الرجل الذي يفهم الحب أكثر من حبها الرجل الذي يفهم النساء، فأكثر هؤلاء منافقون، إن حب المرأة هو الخطوة الأولى إلى حب الله.

ـــــ إني لا أعرف رجلاً خرج من حب المرأة إلى حب الله !

---- قد يصدق ذلك على الرجال أما النساء فيخرجن من الحب إلى حب الله

ـــــ إن المرأة لا تعرف الحب كما يعرفه الرجل، فالرجل يجب المرأة، ولكن المرأة تحب أن ترى نفسها محبوبة عند رجلٍ بعينه، فهي تحب أن ترى نفسها في مرآة، هي ذلك الرجل الذي تحبه.

---- إن رأيك في المرأة لعجيب، وهل هذا رأيك فيّ أترى أن حبي هو الذي قعد بك عن حب الله؟!

ـــــ إنك لا تزالين على ضلالك القديم. تجعلين كل حديث بيننا، مهما يكن عامًا، يرجع في نفسك إليك وإلي. إن الحب يملأ قلوبكن ولكنه لا قلوب الرجال، إذ ليس للمرأة في الحياة شيء غير الحب. أما الرجل فله بعد ذلك عقله وعمله

---- أترى أن العقل يصحبه البرود حتمًا؟!

ــــ قد يكون ذلك غير محتوم، ولكنه أمر مألوف أن يسمو الحكماء فوق العواطف.

--- إن البرود العقلي ليس غاية الكمال، إني أراك تبدلت منذ الأمس، كان قلبك يخفق لأشياءٍ غير العقل والحكمة، أترى ذلك راجعًا إلى ما وفقت إليه من نجاح؟

ـــ إن قمم الجبال العالية مغطاة دائمًا بالثلج.

--- إني على ذلك أفضل أسفل الوادي، حيث يكون الدفء، ولك أن ترفى وحدك إلى حيث تكون الثلوج!

ثم سكت كل منهما، وكان رأسه إلى صدره، فرفعته ونظرت إليه، فوجدت رجلاً غير الذي تعرفه. خيل إليها إن هذا الذي كانت تحبه قد تغيَّر في غمضة عين، وهمَّت أن تتركه، وأحس هو بذلك فأزعجه أن يكون قد دب بينهما شقاق، وهو على حبها حريصٌ أشد الحرص، وخشي أن يكون تلاعبه بالألفاظ والمعاني قد حملها على الشك فيه، وهو لم يقصد إلى شيءٍ من ذلك.

وأدركت هي أنها أسرفت، وأن ما حدث لا يتعلق بحبه إياها، فثاب إليها اطمئنانها، وقالت:

--- إني أقدِّر واجبك حق قدره، وأعلم ما يجب عليك عمله اليوم، فأعفيك من التفكير فيَّ، وفي عيد مولدي.

ـــــ الآن عرفت فيكِ العقل وحسن التقدير، بد أن كدت أنكر منك هذا الغضب، إن عهدي بكِ أنكِ غاضبة أجمل منكِ راضية، ولكن غضبكِ اليوم جـد لم أفهمه، وسنكون غدًا أسعد الناس، فما يومٌ واحد بمغير شيئًا من حبٍّ أعتقد أنه أخلص ما يكون الحب

---- وإن غدًا لقريب، وستكون قد نصرت الدين والوطن والأخلاق!

ــــ الآن اطمأن قلبي، وسأعود إليك فأجدك على ما عهدتك محبة رقيقة.

وأراد أن يقبلها فأشاحت بوجهها في رفق، وقبل وجنتها فأحسَّ عرقًا باردًا يتصبب منها وأصابه من ذلك قلق شديد...


الرواية ...كمــــا ذكرنــا من قبل متوفرة بمكتبات الشروق في طبعتها الجديدة

في الرواية عدد من الحوارات والأفكار الأكثر ثراءً .... أتمنى لو أتيحت لي الفرصة لأناقشـهـا كلها!!

صــادرة منذ عام 1954، وتتميز في طبعة (مكتبة الأسرة) بتقديمٍ أراه هامًا للدكتور (صلاح فضل) يناقش فيها بعض أفكار الرواية قياسًا على فترة ظهورها .... وغير ذلك ...

الأحد، 10 مايو 2009

من رواية خديجة وسوسـن


خديجـة ...

افتتحت ورشة نجارة صغيرة في الشارع الجانبي الذي أطل عليه من نافذة غرفتي، تابعت النجار وصبيه وهما يقطعان ألواح الخشب بالمنشار وينعمانها بالفارة ويعدان الغراء على النار ويدقان ألواح المسامير، بعد أيام من المراقبة نزلت إلى المحل وعرضت أن أشاركهما العمل، ضاقت عينا النجار الصغيرتان حتى أصبحتا شرطتين في الثلث الأعلى من وجهه المستطيل وضحك، ضحك بصوتٍ أجشٍ عالٍ أخافني وجعلني أتساءل إن كان الرجل طيبًا أم شريرًا:

ـ يا ابنتي لا يمكن أن تكون صبية في المحل، لأنه –لا مؤاخذة- النجارة ليست "شغلة نسوان"، أعرف أنتِ تريدينها هواية لكن بالنسبة لي والواد محمد (وأشار لصبي تلمع عيناه في العتمة النسبية للمحل كعيني قط عسليتين) النجارة هي رزقنا وأكل عيشنا!.

وعاد النجار للاهتمام بلوح الخشب الذي كان ينشره، وهو يواصل الضحك.. رجعت إلى البيت وأنا أجر قدمي أشعر بالخيبة، ولا أفهم لماذا ضحك مني النجار، ربما لم يقصد سوءًا حين ضحك، ربما حين يتعرف علي ويعرفني ويعرف أنني ذكية وسريعة التعلم يرضى عني ويحبني، وهذا الولد محمد لم يكف عن مراقبتي وأنا أتحدث مع النجار، كان يلبس حذاءً من المطاط وفانلة صفراء قديمة وبنطلوناً رماديًا مهترئًا فلماذا يقبله النجار كصبي ولا يقبلني؟ قال إنها ليست "شغلة نسوان" فلماذا لا تكون كذلك؟! ..

أقضي الساعات في مراقبة النجار من النافذة، أرفض أن ألعب مع "أحمد" و"مجدي" ولا يشغلني إلا إقناع النجار بالعمل معه، أحكي لأبي فتقول أمي أنني فقدت عقلي ولكني ألح، كل يوم أتحدث مع أبي في الموضوع وأطلب منه أن يقنع النجار، حتى كان ذلك اليوم الذي قال أبي لأمي أنه تحدث مع عم "عبد الله" النجار فوجده رجلاً عاقلاً وطيبًا وأنه لا داعي للقلق ... ولم أنتظر لأسمع باقي الكلام بل ركضت إلى الشارع ولم أتوقف إلا أمام باب النجار الذي نظر إلأيَّ بدهشة وكأنه لم يعد يذكرني وعندما ذكرته بنفسي ابتسم، وطلب مني أن أجلس على كرسي وألاحظ ما يقوم به هو "والواد محمد لأنه أسطى وشاطر!"، أغاظتني الملحوظة ولكني قلت لنفسي إن الصبر طيب، وقبلت بالجلوس على الكرسي والمراقبة ولو مؤقتًا حتى يقتنع عم "عبدالله" بأنني أصلح، وهذا الولد "محمد" لا يبادلني أي كلام كأني غير موجودة، إنه ولد مغرور والغرور عيب خطير وهذا ما أكدته مدرسة الحساب في المدرسة.

بعد أسبوع من الجلوس على الكرسي سمح لي عم "عبد الله" بمساعدته، أقلب الغراء، أمسك لوحًا من الخشب، أدق مسمارًا، تعلمت منه أشياء عديدة علمت بعضها لأحمد ومجدي، وفي البيت استطعت إصلاح مقعدٍ كسر أحد قوائمه حتى أن أمي شهدت لي بالمهارة .

محمد لم يعد يتجاهلني وعندما أستفهم منه عن شيء يفهمه لي، إنه ليس مغرورًا إنه لطيف وذكي ولكنه لا يعرف القراءة والكتابة، عرضت عليه أن أعلمه، فقال "إن شاء الله"، ولم أفهم إن كانت إجابته تعني الرفض أو القبول، كررت عرضي فقال على استحياء:

ـ كيف، ومتى ؟

ـ هنا في المحل، كل يوم أعلمك سـاعة.

ـ مستحيل لأن الأسطى "عبد الله" سيقول إننا نضيع الوقت، وأنه لا يدفع لي أجري لكي أجلس وأقرأ في الكتب.

ـ إذن كل يوم جمعة، تأتي لزياراتنا نتغذى معًا وأعطيك درسين، درس قبل الغذاء ودرس بعده، ما رأيك ؟

ـ صعب

ـ لماذا؟

تلعثم وكأنه غير موافق، وكلني أقنعته فوافق ..

فاجأني غضب أمي حين أخبرتها بدعوتي لمحمد، وقالت إنني بلا عقل ولا أعمل حسابًا لشيء.. أمي تتصرف بشكل غريب لا يمكن فهمه، وهي تلقي بالأوامر والنواهي بلا منطق، جلست أنتظر أبي لكي نتفاهم كما يليق بالعقلاء والأذكياء، فاجأني أبي بتصرف أغرب من تصرف أمي، رفض رفضًا قاطعًا ثم أضاف:

ـ لو سمعت أنكِ نزلتِ عند النجار سأكسر رجلك .. مفهوم؟!

تركني دون أدنى احتمال في استكمال النقاش، أبي وأمي يفرضان رأيهما بلا وجه حق، وبدون منطق، فلماذا؟! .. دخلت الحمام، وجلست على حـافة البانيو، بابا ليس غبيًا أنا متأكدة، فهل هو إذن ظالم ومستبد؟! وما الذي سيقوله محمد؟ سيقول خديجة كذابة وكلامها كلام عيال.. ما العمل إذن ؟؟ .. لا أعرف ما العمل .. فأبكي قهرًا

بعد يومين ..خرجت إلى الشارع وانحرفت مع سور الحديقة يمينًا إلى الشارع الجانبي ، ذهبت أولاً إلى البقال واشتريت بكل ما معي من نقود لوحًا من الشيكولاته، ثم اتجهت إلى محل عم عبد الله .

ـ أشكرك يا عم "عبد الله" على الأشياء المفيدة التي علمتها لي، للأسـف لن أستطيع العمل معك لأن أبي يريد أن أساعده في بعض الأشغال.

سلمت على عم "عبد الله" ولم أنظر إلى "محمد" الذي كنت أشعر أن عينيه تتطلعان إلي، وضعت لوح الشيكولاته أمامه .. وركضت عائدة إلى البيت!

رضوى عـاشـور 1989

من رواية (خديـجـة وسوســن)

روايات الهلال

الخميس، 30 أبريل 2009

قــرأت .. لي ..



مضى شهر إبريل ..هكذا ... بأكاذيبه، وإضرابه المصطنع، وخيباته العادية ...
مضى، .. ولم آخــذ على نفسي عهـدًا بالصمت أو الكف عن الكتـابة، ولكن يبدو أنها الحالة .. الصحيـة الجيـدة، والضرورة .. أم الاختراع وأباه ! ...
مضى ...
لم أكن قد قرأت ماكتبه "شيماء الجمَّال" عن (ورَّاق الحب) قبل اقتنائها، كل مالفت انتباهي حواره في أخبار الأدب، شعرت أن في هذا الرجل الـ "متهتِّك" كمـا يصف نفسه شيئًا أبحث عنه بـ "منكـاش"، وتقريبًا ...وجـدته ..
أحب الكتـابة عن الكتب، والحالات والدوافع والـ ما إلى ذلك .. الذي يقودنا يقودني/يقوده لاختيار كتابٍ بعينه ضمن رفوف الكتب المتزايدة، وما يجعله يتوقف مرارًا لاقتناص كتاب، أو التقليب في آخـر ...
لم أشف بعد من سيطرة (عزازيل) لاسيما بعد تلك الندوة التي لم أتحدث عنها هنا مطلقًا، ولا في أي مكان آخر !!، ولكن "يحيى الجمل" الوحيد الذي لقتني إلى قراءة (قـريـة ظـالمة) لأكتشف رواية يبدو أنها مسكوتٌ عنها .. لا أعلم لماذا، رغم أنها "دســمة" بكل ما تحويه هذه الكلمة من معنى، الحد الذي يجعل الكلام عنها .. كالكلام على الكلام .. صعب ! ...
حديث الجوائز، وأرقام المبيعات يدفع المرء كثيرًا للمغامرة بما لا يـحمد عقباه، لذا كانت سعادتي غامرة، بقرار الهيئة العامة لقصور الثقافة طبع رواية هدرا جرجس" مواقيت التعرِّي" طبعة ثانية، بعد حصولها على جائزة "ســاويرس" في الأدب، واستعدت تفاؤلي بهذه الجائزة مرة أخرى (لاسيما بعد حصول "هدوء القتلة" أيضًا على مركز ثانٍ فيها) أثنـاء قرائتي الحالية لكتابة "هـدرا" الجميلة والمتميزة، رغم ذلك العنوان .. الذي أراه صادمًا ! .....
إلا إن إبريل (وهذا ليس بيان شهري) ... لم يكن مقتصرًا على تلك الروايات الثلاثة، بل إنها حصاد آخر أسبوعين فيه فحسب ...
ولكني شرعت في (كتاب الضحك والنسيان) لكونديرا، ومللت منه سريعًا (يحسن بي في هذا السياق أن أشكر صديقي أحمد الحضري، الذي أهداني الكتاب للمرة الثانية، متندرًا على من عدم صبري أو ممارستي الفعلية لقراءة الأدب المترجم، وكأنها وصمة عار!!) .. بدأت فالس الوداع، وراقتني منذ البداية ... .. و .. ســـ نرى !
في إبريل أيضًا ... قولوا .. أنــتـــــم !

كلام تاني:
هذه الروايات الثلاثة ليس فيها شيءٌ يشبه الأخرى، 3 روايات مختلفة تمامًا، فإذا كانت الأولى عبثية خيالية، فإن الثانية مع قدمها فكرية فلسفية عميقة، وتأتي الثالثة لا بينمها وإنما مختلفة أيضًا... أود أن أذكر أيضًا أمورًا غير أدبية بالمرة أيضًا في هذا السياق، مثل أني فرحت كثيرًا لما وجدت نسخة أخرى (زهيدة) لروايتي الحبيبة (طيور الحذر)ممم، وأن (قرية ظالمة) النسخة التي قرأتها كانت مجلوبة (حلوة مجلوبة دي) من معرض سور الأزبكية، ولكني وجدت لزامًا علي أن أقتنيها لا سيما أن "الشروق" توفرها بمبلغٍ زهيد نسبيًا 15 جنيه في طبعة فاخرة!!، مما يجعلني ربما ولأول مرة مدين للشروق بالشكر!، وكذلك للهئية العامة لقصور الثقافة قطعًا على استعادة طبع (مواقيت التعري) بسعرها الرمزي الجميل 2 جنيه بـــس!
...........................................
حلو قوي، لما تقعد تفتكر .. هوا (إبريل) ده .. بدأ إمتى ؟!!! ...
على الفيس بوك، بعض النصوص التي يمكنكم متابعتها :)

الأربعاء، 14 يناير 2009

إبراهيم يكتب ... عن المـلهـاة الفلسطينية ...

ربما لأن الجرح عربي، والوجع عربي، والألم عربي، وفلسطين .....
ربما لأنه واحدٌ من القلة المغمورة في أدبـاء هذا الوطن العزيز الحبيب، ربما لأنه/أنهم .. أقدر الناس على أن يحكوا يومه، ويكتبون مأساته، وكأنها حوادث مكررةً إلى الأبـد ... ومنذ الأزل ... ، كتب إبراهيم نصر الله الروائي والشاعر الفلسطيني (
مُرشح لبوكر عن زمن الخيول البيضاء) أسـفـاره في (الملهاة الفلسطينية)... التي أنتقي منها من رواية (أعراس آمنـة) ...هذا المقطع

أعراس آمنة


كانت واحدة من الليالي الثقيلة

لا أستطيع وصفها بأقل من ذلك
خطر لي أن أقوم بكتابة تحقيق صحفي عنوانه (من يستطيع النوم ؟ ) ولكنني لم أفعل، فقد كان يكفي أن أقوم بكتابة هواجسي الليلية، يوماً بعد يوم، لأدركَ ما الذي يحدث في (غزّة) .
كانت واحدة من الليالي الثقيلة
لستُ أدري في أيِّ وقت استطعتُ إغلاق عينيّ، رغم أنني بتُّ أشكُّ تماماً، فيما إذا كنتُ أغلقهما أصلاً حينما أنام.
من يستطيعُ النوم ؟
كانت الدَّقاتُ على الباب كافية لأن توقظني
كلُّ شيء يختلطُ في هذا الرأس الصغير، الذي طالما وصفته أمي تحبباً: انظروا،
صاحبة الرأس الصغير، وأختها، في الواحدة منهما عقل أكثر مما في رؤوسكم مجتمعين. لو أن الله لم يرزقني سوى البنات، لكنتُ أسعدَ أهلِ غزة.
كان ذلك يسرُّني، ويُزعجني.
من السيئ أن تملك رأساً صغيراً في وطن ليسَ فيه سوى الهراوات الكبيرة وفوهات البنادق المتطلعة إليك.
لكنني حسمتُ الأمر في النهاية لصالح رأسي. نعم حسمته لصالح هذا الصِّغر، واتخذتُ ما يكفي من الاحتياطات الملائمة لحجمه، عكس توأمي وشبيهتي.
ابتعدتُ عن مدى الهراوات ما أمكن، لأنني كنتُ علي يقين أن ضربة واحدة تكفي لتهشيمه، وقلتُ: لن يكون بإمكان القنّاصين إصابته وهو بهذا الحجم، مع أن الأيام ستثبتُ أنني كنت مخطئة في هذا.
كانت تلك الأحاسيس تنتابني في الانتفاضة الأولى، أما الآن، فلا أعرف تماماً، إن كنتُ ما زلت أفكِّرُ بالطريقة نفسها أم أنني أتذكّر تلك الطريقة التي كنتُ أفكر بها.
زمنٌ طويل من القصف: قنابل وصواريخ، دبابات وطائرات مروحية، وحتى مقاتلة، كان يكفي لزعزعة عيارات السَّمعِ لدي، مع أن كثيرين صاروا يتباهونَ -كما في كل حرب- بدقَّتهم في تحديد أنواع الأسلحة، لكنني لم أكن منهم، وظلَّ هذا الأمر هو الأكثر قدرةً على إثارة دهشتي، فمن يستطيع أن يُفرِّق بين طَرَقات على الباب بهذه القوة، وبين أصوات القنابل في إغفاءة عَثَرَ عليها بأعجوبة في نهايات الليل.
:
رجعوا يقصفوا، أم أن هناك من يطرق الباب؟ سألتْ أمي، وقد أثبتتْ أن خبرتَها لا تقلُّ عن خبرتي! !
نهضتُ؛ أعرفُ أن أحداً لن يفعل ذلك سواي، وليس هناك الآن سوى جدتي في الغرفة التي (ترتاح فيها) لان صوت الرصاص لا يبلغها تماماً، كما تردد دائماً.
:
صباح الخير.
:
صباح النُّور.
:
أمّكِ موجودة ؟
:
موجودة.
:
وأبوكِ ؟
:
أبي، أنتِ تعرفين، في السجن.
:
نسيتُ، يلعن الشيطان ؟
:
الاحتلال ؟ !
:
أظنُّ، في غيره ؟ !
:
تفضلي ؟
:
لا. قبلَ أن أتفضَّل، أريد أن أطلبَ منك طلباً واحداً، فأنتِ مثل ابنتي. وصمتتْ. كنتُ أحلم دائماً أن تكون لي بنتٌ مثلكِ، أو مثل أختكِ، ولكن إن ساعدتني، سيكون لي بنت! !
:
ماذا تقصدين ؟
:
ستكون أختكِ ابنتي.
:
ومن قال إنها ليست ابنتكِ.
:
ابني كِبر، كبرَ بما فيه الكفاية، وأختكِ صبية ما شاء الله، تملي العين، مثلكِ! وكما ترين، الدنيا بين الحياة والموت. وقد فكرتُ بأن هذا الوقت هو الأنسب لأزوِّجه، وأريدك أن تُقنعي أمَّكِ. صحيح أن وجود أبيكِ في السجن يجعل الأمرَ غير مناسب في نظرِ بعض الناس، لكن ذلك لا بدَّ منه، فلو انتظرنا حتى تتحسن أحوالنا ويرحل الاحتلال، وتتحرر فلسطين، ويعود جزؤها الذي احتلوه قبل هذا الجزء، لكان الأمر مصيبة، ولا أحد تزوج، ولا أحد خَلَّف.
كان طلبها كافياً لعقد لساني تماماً، فوجدتُ نفسي أشبه بخشبة تستند بوهنٍ إلى حلْق الباب؛ وبعد زمن، أظن أنها قالتْ فيه الكثير، وجدتُ نفسي أهزُّ رأسي دون أن أُدرك معنى ما أفعله، لكنها فهمت هزة رأسي كما تشتهي.
خطتْ الخطوتين اللتين تفصلاننا، وطبَعَتْ قبلةً على جبيني.
:
لقد قلتُ، ليس لي غيرك، وصَدَقَ قلبي.
وفجأة استدارتْ تهمُّ بالذهاب.
امتدتْ يدي، أدركتْها قبل أن تبتعد، التفتتْ إليَّ وكانت يدي تقبض على طرف ثوبها الأسود الطويل.
:
أدخلي ؛ نشربُ الشاي معاً على الأقل، ونفطر. قلتُ لها.
:
لا، لا، الشاي، نشربُه بعدين ؟ ولست جائعة، الآن سأمرُّ على البيتِ آخذ بعض الأشياء التي أحتاجها، ثم أذهبُ لأطمئنه، تعرفين، الولد يحبّها منذ زمن طويل، وكنت أنتظرُ اليوم الذي يكبرُ فيه. أعرف أنها أكبر منه قليلاً، لكنه استطاع أن يكبر ليلحق بها، هل رأيتِ أحداً يحب إلى هذا الحد. اليوم عيد ميلاده، لماذا لا تأتين؟ رائحتك من رائحتها. سأقيم حفلاً صغيراً.
وأخذها صمتها بعيداً
واصلتُ النظرَ إليها. متعبة كانت كما لو أنها على مشارف الستين، لكنها كانت طويلة كما عرفتها دائماً، رغم أن الأعباء الملقاة على قلبها كافية لسحقِ قامة سنديانة.
:
أنا أُبشِّرُ الولد، وأنتِ تبشِّرين البنتَ، ما رأيك ؟
وثانيةً وجدتُ رأسي يهتز، دون أن أدري ما الذي يعنيه ذلك، لكنها فهمتْ هزَّةَ رأسي كما تشتهي؛ اندفعتْ نحوي، قبَّلتني من جبيني ثانيةً، تراجعتْ قليلاً، تأملتْني، ثم قالت: ما لي في هالدنيا غيرك، الله يرضى عليك، جَبرتي خاطري، والله لو كان لي ولدْ ثاني لزوَّجْتك إياه.
:
ولو خالتي آمنة، وهل أنا بحاجة إلى دليل لأعرف كم تحبينني ؟
امتلأتْ عيناها بالدموع. استدارتْ؛ ورحتُ أراقبها تبتعد، وغطاءُ رأسِها يرفُّ محاولاً تقليدَ جناحٍ بلا جدوى.
* * *
:
مَنْ يطرقُ بابنا من صبيحة الله هذه؟
سألتني أمي دون أن تستطيع فتح عينيها..
:
صوت القنابل. قلتُ لها، وأعدتُ: صوت القنابل.
:
كنتُ متأكدة من هذا، ولكنني ظننتُ أنني أحلم. الله لا يخلي واحد فيهم، خلطوا ليلنا بنهارنا. ألا يتعبون، ألا ينامون، هل هم طُرْش لا يسمعونَ صوتَ القنابل التي يطلقونها ! !
حين أصبح رأسي تحت اللحاف، سألتني: كم الساعة الآن ؟
:
السادسة .
:
السادسة، قومي، ألم تشبعي نوماً ! !

قلتُ لهم إن الشمس قد أصبحتْ في وسط السماء

قلتُ لهم هذا الكلام مائة مرة، لكن أحداً منهم لم يتحرَّك، قلتُ لهم، ما هذا الكسل الذي نـزلَ فجأة عليكم، لم تكونوا هكذا من قبل، لا الزوجُ ولا الابنُ ولا الأخ، لقد نمتم كثيراً، أكثر مما يجب، وعليكم أن تصحو الآن، أن تروا الشمس، على الأقل، وأن تتحدثوا معي قليلاً قبل أن أذهب.
قلتُ لهم إن الشاي جاهز، والفطور جاهز، والمواضيع التي سنتحدثُ فيها جاهزة، لأنني أفكر بها منذ زمن طويل، لكنَّهم ظلّوا نائمين.
من أين نـزلَ هذا الكسل يا ربي عليهم فجأة، لو كان قلبي أقسى مما هو عليه قليلاً، قليلاً فقط، لانتزعتُ هذه الأغطية عنكم ونثرتها في الجو، وحولتها إلى عاصفة، لكن قلبي لا يطاوعني.
حَنون من يومه !
من كان يقول هذا الكلام غيركَ يا مصطفى، يا أخي الأحنّ مني، يا أخي الذي لم يُفارقْني، حين فارقني الآخرون، حين ذهبوا، بعضهم للأردن وبعضهم لسورية، وبعضهم وصل السويد.
هل تذكُر، حين راحوا يتطلعون للجهات، ويتسمَّعون صوتَها، قلتَ لهم: أعرفُ أن كلَّ جهة تنادي واحداً منكم، وسيسمعُ صوتَها وحده، من دون بقية أصواتِ الجهات الأخرى، ويتبع الصوتَ حتى يختفي فيه، هكذا قلتَ لهم، كأنك فيلسوف والله، وحين قالوا لك ساخرين، وأنت يا أستاذ مصطفى: ما هي الجهة التي تناديك ولا تسمع سوى صوتها. أشرتَ للأرض.
قالوا لك، الأرض ليست جهة، الأرض مكان، أما الجهات ففوقها.
قلتَ لهم : كلُّ الجهات تلتقي هنا، فيها، ومن يملكها يملك الجهات جميعها.
اللـه ، لقد أطربني كلامك يومها؛ لا، ليس لأنك ستبقى عندي هنا، في غزة، بعد زواجي، كما يريدون أن يتركوني شجرةً وحيدة، بلا سند في وقت لم يكن جاءني فيه الولد، لا. أطربني لأنه أطربني. وقد أطربها، رندة، حين أعدتُهُ على مسامعها، فقالت لي: مسموح لي أكتب هذا الكلام ؟
فقلت لها مسموح. وكتَبتْهُ في دفترها !
كم مصطفى لي ؟ آ، قل لي كم مصطفى لي ؟ مصطفى الذي أصرَّ على أن أتعلَّم، وأتخرَّج من الجامعة، ألا يستحق أن أفهم كلامَه إلى هذا الحد وأن يُطربني ؟
سامحني، يا مصطفى، ولكنني سأقول لك، إن الذي لم يجرُّه خوفه على أولاده، جرّه حلُمُهُ في أن يكون له حلم خارج شقائنا هذا على شطِّ غزَّة. لا، لا تفهمني غلط، فحتى لو كنتَ متزوجاً، ولكَ أولاد، لبقيتَ هنا، معي، حتى لو كان لك عشرون ولداً تخاف عليهم لبقيتَ معي، وقد قلتَها بنفسك، رغم أنكَ لم تقلها: وآمنة ، نتركها لمنْ هنا ؟ !
أعرف أنني لم أسمعْها، لكنكَ بالتأكيد قلتَها لهم، وكان يسرُّهم أن تبحثَ عن سببٍ آخر للبقاء معي، وأن تشير إلى جهتكَ الوحيدة، جهتك التي تتجمّع فيها الجهات كلّها، كي يُبرِّئوا ضمائرهم، وهم يتهامسون في آذان بعضهم: على الأقل هناك من سيبقى ويرعى أختَنا.
وقد بقيتَ، بقيتَ تماماً، قلتَ لهم: هناك أسطورةٌ فلسطينية تقول إن الله يخلق الإنسان من ترابين، تراب المكان الذي وُلِدَ فيه وتراب المكان الذي سيموت فيه. لقد عرفتَ من زمان، أننا خُلِقْنا من هذا التراب وحده، لأننا عليه وُلِدنا وعليه نموت، وقد يكون ترابُ أخوتي هو الذي يناديهم، ترابُ موتِهم، أما نحن، فالذي ينادينا ترابُ حياتنا، هكذا، من الأول، ومَنْ منا لا يستطيع أن يسمع نداءً بهذا الوضوح ؟
أنتَ تذكر حكايةَ الشهيد محمد موسى أبو جزر، تذكُرها طبعاً، إنها تصديق لكلامك الذي قُلتَه، كيف يمكن أن تُفَسِّرها: رجل يغيبُ أربعين عاماً عن وطنه، ويشارك في معارك لا حصرَ لها خارجَ فلسطين، وبعد أن يعود يستشهد وهو يدافع عن)رفح). هنا، قُربنا.
الله، الله يا مصطفى،
لقد فهمتُ الآن، فهمتُ الآن كلامك الذي قلتَه لهم، فهمته يا مصطفى، الله كيف أشرق فيَّ، فجأة، كالنور، فهمتُ لماذا أشرتَ إلى التراب. كنتَ تسمعه، ولم تكن تخبرني، فهمتُ يا مصطفى، ليس هناك مبرر أن أكون قد سمعتُ هذه الأسطورة أو لا، المهم أننا نحسُّها، لأنها فينا، فيك، في دمك أسمعها تجري.
كيف لم يفهموا ؟
أتذكَّرُكَ، دائما كنتَ تسبقهم عشر خطوات، على الأقل، لا أريدُ أن أبالغ، لم أعد أحبّ المبالغة، فالزمان بالغَ معي بما يكفي ويزيد، دائماً كنتَ تسبقهم عشر خطوات على الأقل. أتذكُرُ، حين جاء جمال لخطبتي، حين حدَّثَ أبي، وحين ارتبكَ أمام سؤاله الذي لم يكن مفاجئاً، السؤال المتوقَّع الذي يسأله أهل أيِّ عروس: من وين بتعرف البنت ؟
ارتبك الحزين ! ! قال لي إن السماء سقطتْ على رأسه؛ وبعد قليل عرف أنها كانت ممتلئة بالغيوم، هكذا كان يستعيد الحكاية ويضحك: غرقتُ في ماء لم أر مثله يا آمنة، لا، ليس عَرَقاً، لو كان عرقا لأحسسته يتسلل من تحت ثيابي، لكنه كان يأتي من تحتها ومن فوقها..
قالَ له: وتحبها أيضاً !
وتجرأَ الحزين وقال له: وهل على الرجل أن يتزوج المرأة التي يكرهها.
:
بتتمسخر عليّ ؟ !
هكذا صرخ أبي في وجهه. بتتمسخر عليّ ؟ ما في عندي بنات للزواج.
وحدكَ الذي وقفتَ معي، وحدك الذي قلتَ لي تلك الكلمات البسيطة: ولا يهمّك.
:
ولا يهمني، كيف ولا يهمني؟ إن لم يخطبني اليوم فمتى سيكون ذلك، بعد أن يعودَ من مصر، لم تزل أمامه أربع سنوات حتى يتخرج، والله يعلم ما الذي يمكن أن يحدث في أربع سنوات ؟
وأعدتَها: ولا يهمِّك.
فقلتُ: ما دمتَ أعدتَها، فإنك تعرف ما الذي تقوله، ما الذي تعنيه. فلم أفتح الموضوع ثانية.
وقلتَ لي: لا تقطعي أهله، زوريهم، إنهم يحبونك، عيشي معهم كما لو أنك واحدة منهم، خطيبة ابنهم، وزوجة المستقبل.
:
فِكْرَكْ ؟ ! ! !
:
طبعاً.
:
ولكن أبي سيُجَنُّ.
:
سيُجنُّ؟ لا، لا أظن ذلك، سيُجنُّ لو أن جمال هنا في غزة، وليس في مصر، سيُجن، ربما، في البداية فقط.
كل ما قلتَه حدثَ. نعم، كلّ ما قلتَه. أرغى وأزبد، وشتم، وحين قلتَ له: إنها تزور صاحباتها، أخواته، فجمال في مصر، وليس هناك سوى الختيار والختيارة والبنات. قال: وليكن ! لا تزورهم، يعني لا تزورهم.
لكنني عشتُ معهم في بيتهم طوال تلك السنوات أكثر مما عشتُ في بيتنا؛ ويوما بعد يوم، لم يعد يسألني أين كنتِ؟ كان يراني سعيدة بوجودي معهم، الله يرحمه، لستُ أدري لماذا كان عليه أن يبدو قاسياً. هل هنالك سببٌ سوى أنه أب؟

وأن همومنا أكبر من جبل.
ناداني، وقال لي: تزوجيه يابا، أفضلُ بيتٍ للبنتِ هو البيت الذي يحبها فيه أهلُ زوجها أكثر منه. الآن أعرفُ أنهم يحبونك.
وصمت طويلا. ثم قال لي: أما أن يأتي هو ويقول لي بأنه يحبـ . . هكذا من الباب للطاقة، فهذا لا يجوز. فهمتِ.
قلتُ له: حاضر.
وعندها راح يضحك ويضحك: هل اعتقدتِ أنني أقول هذا الكلام عن جد ؟ ! !
وراح يضحك ويضحك حتى مات.
الله يرحمه.
* * *
وها أنا أضحك وأضحك، وأحسُّ بأن ضحكي فاق كل الحدود.
لا بد لي من أن أبكي قليلا إذن.
ها قد بكيتُ ! ! ولكنني لا أعرف الآن إن كنتُ أمسح دموعَ الفرح أم دموع الحزن، والله انكم حيرتوني ! !
وبعدين يا ولاد.
الشمس أصبحتْ في وسط السماء، ما هذا الكسل الذي نـزل فجأة عليكم، لم تكونوا هكذا من قبل، لا الزوج ولا الابن ولا الأخ، لقد نمتم كثيراً، أكثر مما يجب، وعليكم أن تصحو الآن، أن تروا الشمس، على الأقل، وأن تتحدثوا معي قليلا، قبل أن أذهب.
مصطفى، مصطفى، لا تنس أن عليك الكثير فأنت خال الولد. وأنت يا صالح، قوم، قوم شوف الشمس، شمس عيد ميلادك، لا تفوِّتها، شوفها، هذه شمسُ عامكَ الجديد، شمس سعدكَ. يا كسول، يا أهبل، هل يُفوِّتُ أحدٌ شمسَه، شمسه التي تشرق له وحده، أنظر، حتى الغباش لا وجودَ له اليوم، حتى الدخان غير موجود. هل تعرف منذ متى أنتظر هذا اليوم ؟ ! !
منذ، لا أدري، وأنا أعدُّ على أصابعي، لكن ما يدهشني أن أصابعي لم تعد تنتهي، ولذلك بقيت أعدّ وأعدّ، ليلَ نهار، حتى توقفتُ فجأة، وعندها انتبهت، وعرفتُ أنكَ قد كبُرت.
الآن، سأقولُ لك سرّاً، ولكن لا تبُحْ به لأحد، لا تبح به حتى للتراب، لأن الريح ستعرفه ! لقد فكَّرتُ طويلا، طويلا جداً، ولم أجد أفضلَ من هذا. سأزوجكما.
لا تريد أن تنهض، بلاش .
ها هو الشاي يبرد قبل أن تشربوه . والله لستُ أدري لماذا أُتعِبُ نفسي بهذا كلَّ يوم.
أما أنت يا مصطفى فها أنا أقولها لك سأذهب وأخطبها وحدي إن لم تنهض .
لن تنهض ! !
طيبْ ! !
إذا أفاق قبل عودتي لا تقل له أي شيء، إياكَ لأنني سأجعلها مفاجأة.




شكرًا لمصممي (نوافـذ إبراهيم نصر الله) >>>> تعرفوا على هـذا الرجل أكثـر << هنـــاك

Ratings by outbrain